حراس السلم الأهلي.. لجان الإصلاح صمام أمان يدرأ الفوضى في مخيمات النزوح بغزة

حراس السلم الأهلي.. لجان الإصلاح صمام أمان يدرأ الفوضى في مخيمات النزوح بغزة
تقارير وحوارات

غزة/ أنس أبو عقلين:
لم يقتصر أثر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على تدمير المنازل والبنية التحتية، بل امتد إلى إضعاف المنظومة الشرطية بعد الاستهداف المتكرر لعناصرها، ما أوجد فراغًا ميدانيًا في حفظ النظام داخل مخيمات النزوح، وفي ظل تكدس آلاف العائلات في مساحات ضيقة وتفاقم الضغوط النفسية والمعيشية، برزت لجان الإصلاح والمخاتير والوجهاء باعتبارهم خط الدفاع الأول لاحتواء الخلافات اليومية ومنع تحولها إلى نزاعات تهدد السلم الأهلي.
أفرزت ظروف النزوح القاسية، وما رافقها من اكتظاظ ونقص في المياه والمساعدات، بيئة تزداد فيها الاحتكاكات بين السكان، لتتحول طوابير المياه ومراكز توزيع المساعدات إلى أكثر بؤر الخلاف شيوعًا.
ويقول المختار وليد النامولي، من منطقة مواصي خان يونس، إن معظم المشكلات التي تشهدها المخيمات ترتبط مباشرة بظروف الحرب، موضحًا أن الضغط النفسي والتكدس السكاني والاحتياج الشديد للمياه والمساعدات أسهمت في تصاعد الخلافات بين النازحين.
ويضيف المختار النامولي لـ" الاستقلال":" أن تعذر الحركة الميدانية للشرطة بسبب الظروف الأمنية جعل مراكز الشرطة تحيل العديد من القضايا إلى لجان الإصلاح، التي تتدخل بصورة عاجلة لاحتواء الخلافات ومنع تفاقمها.
ويتفق معه المختار محمد أبو الروس، عضو لجنة إصلاح مدينة رفح، مؤكدًا أن أغلب النزاعات تنشأ حول طوابير المياه والتكايا أو بسبب ضيق المساحات بين الخيام، لافتًا إلى أن لجان الإصلاح أصبحت تتحمل مسؤولية أكبر في معالجة هذه القضايا في ظل محدودية قدرة الشرطة على التدخل الميداني.
وساطة سريعة
داخل مخيمات النزوح، تكشف شهادات المواطنين حجم الدور الذي تلعبه لجان الإصلاح في احتواء النزاعات قبل تحولها إلى مواجهات خطيرة.
يروي المواطن أبو أحمد، وهو نازح من مدينة غزة إلى مواصي خان يونس، أن خلافاً اندلع بين عائلتين بسبب طابور تعبئة المياه، بعدما أدى تجاوز أحد الأشخاص لدوره إلى مشادة تطورت إلى شجار بالأيدي والعصي، أسفر عن إصابات وأجواء توتر بين الطرفين.
ويقول: "كنا نخشى أن تتطور المشكلة إلى ثأر بين العائلتين، لكن تدخل المختار وليد النامولي وعدد من الوجهاء خلال وقت قصير ساهم في تهدئة النفوس، وتم أخذ عطوة وإنهاء الخلاف قبل أن يكبر".
ويشرح عبد الحميد الغرباوي، عضو لجنة إصلاح من مدينة غزة، أن آليات التعامل مع النزاعات تختلف بحسب طبيعتها وحجمها، مشيراً إلى أن الخلافات البسيطة تُحل غالباً عبر تدخل مباشر من رجال الإصلاح وإلزام الطرف المخطئ بإرضاء الطرف الآخر وإنهاء الخلاف.
أما القضايا الأكثر تعقيداً، خاصة التي تتضمن إصابات أو اعتداءات، فتحتاج إلى تشكيل "جاهة" تضم عدداً من الوجهاء وأصحاب المكانة الاجتماعية للتوصل إلى حل مقبول لجميع الأطراف.
ويشير الغرباوي إلى أن عمل رجال الإصلاح ليس سهلاً، إذ قد يتعرضون أحياناً للإساءة أثناء محاولات فض النزاعات، لكن احترام المجتمع لهم يساعدهم على أداء دورهم.
ويضيف "أن معظم المشاكل الحالية مرتبطة بالضغوط النفسية والاحتياجات الأساسية، قائلاً: "الاحتكاك اليومي الشديد بين الناس هو ما يولد الانفجار، لذلك نحاول دائماً إيقاف الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة أكبر".
غياب الشرطة يضاعف المسؤولية
ويؤكد أيمن أبو حجار، مدير دائرة الإصلاح في مخيمات أصداء مواصي خان يونس، أن المخاتير أصبحوا يمثلون خط الدفاع الأول للحفاظ على السلم الأهلي.
ويقول لـ" الاستقلال": "دور المخاتير اليوم أصبح صمام أمان حقيقياً، فهم الحلقة التي يلجأ إليها الناس لحل مشاكلهم، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية التي تحد من قدرة الشرطة على الحركة".
ويشير إلى أن نجاح لجان الإصلاح يعود إلى وعي المجتمع وقبول المواطنين بالحلول العرفية، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها.
لكن عمل هذه اللجان يواجه تحديات عدة، أبرزها صعوبة التنقل بين مناطق النزوح بسبب نقص الوقود وتدمير الطرق، إضافة إلى ازدياد عدد الخلافات نتيجة الضغط النفسي والتكدس، فضلاً عن صعوبة التعامل مع بعض الحالات التي ترفض الحلول الاجتماعية.
الوجهاء في مواجهة الفراغ الأمني
ويكشف مصدر شرطي لـ"الاستقلال" (فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية ميدانية)، أن استهداف الاحتلال لعناصر الشرطة أثناء أداء مهامهم الخدمية أدى إلى تراجع قدرتهم على التدخل في العديد من القضايا المجتمعية.
وأوضح أن الاحتلال يتعمد تغييب الشرطة لفرض الفلتان الأمني والفوضى وهذا الواقع جعل رجال الإصلاح والمخاتير عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، قائلاً إن وجودهم في مناطق النزوح ساهم في منع اتساع دائرة الفوضى.
وبينما تستمر الحرب في فرض أثقالها على سكان غزة، يواصل المخاتير والوجهاء أداء دور يتجاوز وظيفتهم الاجتماعية التقليدية، ليصبحوا إحدى ركائز حماية النسيج المجتمعي، عبر الوساطة والكلمة الطيبة والحكمة، في محاولة لمنع أن تتحول معاناة الحرب إلى صراع داخلي يضاعف آلام السكان.

التعليقات : 0

إضافة تعليق